- إياد نصار -

لم تعد الروائية العربية تنظر للكتابة النسوية على أنها منشور ضد القهر ونوع من التمرد على الثقافة الذكورية وحسب. لقد تجاوزت الرواية النسائية العربية عبء هذه الوظيفة، ولم تعد الكتابة مجرد صرخة احتجاج ضد حرمان المرأة من حقوقها في التعليم أو العمل، أو دعوة للتمرد على القيم البطريركية التقليدية. وكما في الماضي، حين استطاعت الكلمة، الحكاية تحديداً، أن تنقذ المرأة من الموت وأن تخلصها من خوف العبودية والاستغلال مثلما فعلت شهرزاد، فإن الكلمة، الرواية خصوصاً، هي عنوان تحرر المرأة مع بداية العصر الحديث في الأدب العربي، بعد قرون من الارتهان للرجل، باستثناء بعض النماذج المضيئة مثل ولادة بنت المستكفي في الأندلس في القرن الحادي عشر.
ترى د.بثينة شعبان في كتابها مئة عام من الرواية النسائية العربية ، أن المخاوف من اتهام الروائيات العربيات بأنهن يطرحن قضايا ذات طابع سيري أو قضايا شخصية حول الحب والزواج والأطفال والأسرة وهي ليست ضمن اهتمامات الجمهور، دفعت ببعض الروائيات العربيات إلى اختيار بطل ذكر بدلاً من بطلة أنثى لرواياتهن، لكي يضفن على رواياتهن خبرة اجتماعية أعمق وأوسع.
عملياً، لم تكن هناك كتابات نسوية مستمرة قبل القرن الثامن عشر. تقول الأديبة الإنجليزية فرجينيا وولف: إن الجواب كامن في حاضر مقفل عليه في مفكرات قديمة، ومخبأ في خزائن قديمة، نصف محذوف من ذاكرة العصور، حيث لا يمكن رؤية أجيال النساء إلا كأشباح . ويمكن أن يقال الشيء نفسه عن الكاتبات العربيات في القرون الأربعة الأخيرة قبل مطلع عصر النهضة الذي بدأ مع قدوم حملة نابليون على مصر ومشروع التحديث الذي بدأه محمد علي في مصر، وبداية ازدهار الحركة النسوية العربية في ما بعد مع ظهور قاسم أمين وهدى شعراوي.
تعدّ الرواية العربية بالمقاييس الفنية المعاصرة حديثة العهد، لم يمض عليها سوى قرن من الزمان، لكن الأبحاث التي تتناول ولادة الرواية العربية الحديثة، تكشف أن المرأة العربية كان لها فضل الريادة وأسهمت قبل الرجل في ظهورها.
تورد المصادر بشكل مؤكد محاولات عدة مكتملة البناء الفني، كان أولها اللبنانية زينب فواز التي نشرت روايتها الأولى حسن العواقب أو غادة الزهراء العام 1899، تلتها اللبنانية لبيبة هاشم التي أصدرت رواية العام 1904 بعنوان قلب الرجل . وفي العام 1904 نشرت لبيبة ميخائيل صوايا من لبنان رواية حسناء من سالونيك ، وقد نشرتها متسلسلة على حلقات في صحيفة عربية كانت تصدر في نيويورك آنذاك. وكتبت عفيفة كرم رواية حملت عنوان بديعة وفؤاد ، وقد صدرت في نيويورك للمرة الأولى العام 1906، وهي في مجملها قصة حب تجري أحداثها على ظهر سفينة متجهة إلى الولايات المتحدة وتحمل مهاجرين لبنانيين وتطرح مسائل التخوف من الحياة في البلاد الجديدة وموقف المرأة من العصرنة وتحدي الهوية وعلاقة الشرق بالغرب. وكل ذلك حدث قبل أن ينشر محمد حسين هيكل زينب في العام 1914، والتي ساد الاعتقاد فترة من الزمن، أنها أول رواية عربية بالمعنى الفني للكلمة.
وقد اهتم د.جوزيف زيدان، أستاذ دراسات الشرق الأدنى في جامعة أوهايو، بتأليف موسوعة حول مصادر الأدب النسائي في العالم العربي الحديث 1800-1996 . وهي دراسة ببليوغرافية للأدب النسائي في العالم العربي الحديث خلال هذه الفترة، وقد صدرت في العام 1999. ويذكر أن زيدان ركز في السنوات الأخيرة على الأدب العربي النسائي، فوضع كتابه الروائيات العربيات: سنوات التكوين وما بعدها الذي صدر باللغة الإنجليزية في العام 1995.
يورد المؤلف في الموسوعة نبذة أدبية وتاريخية عن ما يزيد على 1270 اسماً لكاتبات عربيات نُشرت أعمالهن خلال هذه الفترة التي تمتد لقرنين، وكأنما يريد أن يدلل بأن هذا العدد الكبير هو الرد على مقولة إن العالم العربي لا ينجب كاتبات أو مبدعات كما ينبغي، خصوصاً أن أغلب هذه الأسماء تنتمي للقرن العشرين.
كانت الأعمال الروائية النسائية الأولى تقوم على استنباط العبرة من خلال توظيف القضايا الاجتماعية والثقافية أو التوجه التعليمي في مخاطبة القارئ. وكانت دعوات تحرير المرأة وتعليمها في محيط ينكر عليها الاعتراف بمساواتها مع الرجل أو يحرمها حتى من أبسط حقوقها، تجد صداها في الروايات، ثم بدأت تدخل مواضيع أخرى تعمّق من التجربة النسائية في الحياة والحب والزواج والعمل، بالإضافة إلى طرح إشكالية دور المرأة ومكانتها وتجربتها في الحياة العامة، ثم المفارقات في صورة المرأة ودورها بين الشرق والغرب مع ما يرتبط بذلك من تحرر وحداثة وسفر واغتراب وخروج عن التقاليد المحافظة من قبل المرأة، ونقد التراث الذي كرس صورة نمطية تقليدية مقموعة للمرأة. ومن روايات الريف إلى روايات المدن بتعقيداتها النفسية والزمانية إلى روايات الاغتراب والسفر والتأمل في تجربة المرأة بين نموذجين وعالمين.
مرت الروايات العربية، خصوصاً النسائية منها، في موجات من التحول نحو تحطيم النماذج النمطية وفي تطوير الأساليب السردية والصور اللغوية الجمالية، ورافقت تحولات البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وعبّرت عن القضايا الوطنية ومرت بما مرت به تلك القضايا من ازدهار وانكسار. وإذا كان هناك ثمة تقاطع في صورة المرأة التي تقدمها الروايات، وإذا كان هناك صور للمرأة تسهم في إعادة إنتاج القيم الذكورية وتزيد من تهميش المرأة، فإن ذلك مرده إلى التحولات الحادة التي يمر بها الوعي العربي في مرحلة انتقالية تشهد قيام بنى وقيم جديدة تؤسس لعلاقة أكثر إنسانية، وسط رفض تقليدي لا يعدم الهيمنة وتوظيف مختلف وسائل الخطاب ليمنع ظهور صورة المرأة الجديدة.
وشهدت الرواية النسائية العربية تطور تقنيات السرد وأساليبه، وتطوير الجملة القصصية والروائية، والتمايز بينهما، وخلق المشاهد والانطباعات وتقنيات الوصف وربطه بالشخصيات والحالات النفسية المختلفة، والتوغل في توظيف مختلف أنواع الزمن، والانتقال بين صيغه المختلفة، وتوظيف تقنيات علم النفس والتحليل النفسي، وإدخال تقنيات الإعلام المرئي والمسموع المختلفة في بنية الرواية، وغيرها من الأساليب الفنية المختلفة التي انتقلت بالرواية من التقسيم الثلاثي التقليدي من بداية وعقدة ونهاية إلى مستويات متعددة للحدث زمانياً ومكانياً وذات تأزمات مختلفة ونهايات مفتوحة، وخلق أجواء غامضة تناسب انقطاع السرد وحركته باتجاهات مختلفة وبأصوات متعددة للروي.
وقد حدث تحول في نظرة الروائية العربية للرجل. فبعد أن كانت تنظر اليه على أنه العدو في مجتمع ذكوري هو المسيطر فيه، والصور المرادفة لذلك مثل المنافس والمضطهِد، أصبحت تنظر إليه على أنه ضحية مثلها، يطيع بشكل أعمى تقاليد ومتوارثات اجتماعية وقيمية بالية عمرها قرون.
وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى روايات عكست إصرار المرأة العربية عموماً، والروائية العربية خصوصاً، على تحطيم القيود المفروضة عليها وتحرير النظرة تجاهها من عبء التقاليد الاجتماعية والدينية، سواء من خلال مبيعاتها الهائلة في داخل الوطن العربي وخارجه مثل ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي، أو من خلال ترجمة هذه الروايات إلى لغات أخرى، ومنها على سبيل المثال الوطن في العينين للروائية الفلسطينية حميدة نعنع، و حكاية زهرة لحنان الشيخ، و ضحك الحجر لهدى بركات.
وترى د.بثينة شعبان أن سحر خليفة أهم روائ














على الرغم من أنها سيدة العتمة كما تقول عن نفسها، وطالما هربت من الضوء لتغرق في عتمة الحبر ، تستحضر "ذاكرة الجسد" لتعبره وتدخل في "فوضى الحواس" عابرة سرير الذاكرة والنسيان معًا، وتنسف حدود المدن والثورة والحزن والفرح، إلا أن الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي وقعت ضحية "كمين محبة" نصبته له بيروت كما قالت في كلمتها، أثناء حفل إطلاق كتابها "نسيان كوم"، "قلبهم معنا وقنابلهم علينا" و"سي دي" "أيها النسيان هبني قبلتك" للفنانة جاهدة في قاعة قصر الأونيسكو في بيروت الّتي غصّت بروّاد الفنّ والأدب ضمن فعاليات "بيروت عاصمة عالمية للكتاب.